لعبة التاريخ بين تركيا ومصر وإيران

ساسة بوست : صابرين محمد

 

السياسة ولعبة التاريخ الذى يعيد نفسه باستمرار، لاشيء ثابت ما كان حليفك أمس، من الممكن أن يصبح شديد العداء إليك، إذا تغيرت توجهاتك  السياسية.

مصر وإيران كانت العلاقات ودية بين الشاه والسادات، كما كانت بين «أردوغان» و«مرسى»، وعندما تغيرت الاتجاهات انتقلت معها التصريحات من مؤيدة إلى ناقضة، وأحيانًا كثيرة  كانت تتسم بنوع من أنواع التحريض.

ظهرت الحملات الإعلامية المتبادلة، وخاصة نبرة الاستعداء من جانب إيران لاستضافة  مصر الشاه، وكانت طهران تسعى بعد ثورة «الخميني» إلى الزعامة الإسلامية فى المنطقة، وهو مشابه للموقف التركي، ويظهر ذلك من خلال تصريحات أردوغان بعد عزل مرسي 30 يونيو (حزيران)، وكان رد الفعل التركى هو الأكثر تشددًا ورفضًا لما حدث فى مصر، وكانت أغلب التفسيرات أن لهجة أردوغان العنيفة كان مخاطبًا بها الداخل التركى، ومحذرًا لهم من عودة الجيش للسياسة، وهذا ما حدث بعدها من محاولة الانقلاب الفاشلة.

صحيفة طهران «جورنال» دعت الفريق الشاذلى إلى الانتفاض على السادات، وأنه ليس قادرًا على تحقيق السلام أو التقدم الاقتصاد المصرى، وأنه سيخلع كما خلع الشاه الذى كان أقوى من السادات، والتركيز الدائم على أن الشعب يرفض الشاه، وأن السلطات المصرية اعتقلت الكتاب الذين نددوا بدعوة الرئيس السادات للشاه.

وسعت تركيا بعد عزل الإخوان إلى قطع العلاقات عن مصر، وعزل القيادة المصرية عن طريق حشد الدول الغربية ضد ما حدث فى مصر، واستضافة عدد من قيادات الإخوان، وهذا يوضح أن الهدف التركى كان دعم الحكومات ذات المرجعية الإسلامية، لتكون تركيا هى مصدر القوة فى الشرق الأوسط.

والتصريحات المستمرة ضد النظام القائم فى مصر، ورفع أردوغان إشارة رابعة وسط حشد من أنصاره، وتعني قف ضد الظلم، كما فعل الخميني إلى حشد الشعوب العربية ضد مصر، بعد عقد اتفاق «كامب ديفيد»، ومناشدة العالم الإسلامى قطع العلاقات مع القاهرة، واصدار بيانات لتحريض الشعب على قلب نظام الحكم والتشكيك فى شرعية المؤسسات المصرية، بما فيها الأزهر، على اعتبار أنها تمثل نظام غير شرعى.

الخمينى ينتقد علماء الأزهر «إننا، فضلًا عن صراعنا فى الوقت الحاضر مع روسيا وأمريكا، متورطون مع بعض الأشخاص الذين يدعون الإسلام، وهم على رأس علماء الدين فى بعض البلدان، فهؤلاء يكفروننا ويؤولون أحاديثنا، ويعقبونها بتكفير، وهم يرتدون ـ مع الأسف ـ ملابس المفتى الأعظم، ألا يعلمون أن عملهم هذا هو عمل مضاد للإسلام، ويسير وفق ما تتمناه القوى العظمى، لماذا لا يقف هؤلاء أمام أنور السادات، وأمام الجرائم التى ارتكبها، ومع هذا ما سمعناهم يومًا يكفرونه، وكان الخميني دائمًا يفرق بين ممثلي الإسلام فى الدولة، وبين الجماعات الإسلامية والشعب.

تصريحات أردوغان كانت قاسية أيضًا فى حق الأزهر وشيخه، حيث قال إنه شعر بالإحباط، عندما رأى شيخ الأزهر يؤيد ما وصفه «الانقلاب العسكرى»، وأن التاريخ سيلعن العلماء أشباهه، كما حدث مع علماء تركيا.

وكان الرد المصرى التطاول على قامة دينية وإسلامية كبرى، يمثل تماديًا ليس فقط فى حق مصر، وإنما فى حق المسلمين كافة.

أما فى مصر، كان الإعلام دائمًا يصف الوضع الإيراني عن طريق الإعدامات والاعتقالات، وعدم الاستقرار والصراع على السلطة، وتهتم دائمًا بنشر الأخبار تعكس الصورة، وتنقل آرآء زعماء المعارضة، وهو نفس الحال مع الوضع التركى الراهن بإبراز إغلاق الصحف، والاعتقالات  فى صفوف ضباط الجيش، ورجال القضاء، وإقصاء عشرات الموظفيين من المصالح الحكومية بتهمة المشاركة فى الانقلاب الفاشل.

كتبت «الأهرام» «القضية فى إيران» الحالة الاقتصادية فى إيران بالغه السوء هناك حروب مسلحة مع الأكراد، ومشاكل مع العراق هناك ثورة، وليس هناك نظام، القيادات متعددة والمسئولية تائهة، لذلك هو يبحث عن موضوع تافه؛ ليضخمه للخروج من المأزق، ألا وهو شاه إيران، كما لو أن إعدام هذا الشاه سيحل المشكلة.

وردًا على حملة  إيران قطع العلاقات مع مصر، قام الإعلام بالتأكيد على دور مصر ومكانتها العربية والإسلامية، وإن البديل الإيرانى لن يأخذ مكانتها، ولن يكون بديلًا مقبولًا.

كتبت «الجمهورية» «الزعامة لا تشترى بالمال»، هل قطع العلاقات مع القاهرة، ووقف البترول عن إسرائيل، هو الذى سيعيد القضية الفلسطنية والحقوق المشروعة.

أما «الأهرام»، فكتبت «مانسيه الخمينى، سيادة الإمام آية الله، فمصر دولة عربية إسلامية، شئت أم أبيت، مصر بالجامع الأزهر، وبتاريخها الإسلامي ومآذنها، وبعلمائها، لا يستطيع بيان مثل بيانك هذا أن ينال منها أو أن يسلبها مكانتها العربية والإسلامية، كل الدول الإسلامية التى تريد أن تحافظ على دينها لا يمكنها أن تقطع علاقتها بمصر، و لا يمكنها أن تأخذ دعوتك مأخذ الجد؛ لأن البديل الإيراني الذى طرحته الثورة يثير الفزع فى نفوس الشعوب، وخاصة الشعوب الإسلامية التى تؤمن بحق المسلم، حسب تعاليم دينه بالدفاع عن نفسه، ثم وجهت سؤالًا إلى الخمينى: ماهو دورك فى القضية الفلسطنية؟ وماذا فعلت لها على مدى الثلاثين عامًا الماضية، وكان ينبغى عليك أن تعرف أن مصر ما زالت تحمل عبء القضية الفلسطنية».

كانت مصر تتبنى موقف محايدًا مما يحدث فى إيران، صرح «بطرس غالى»، وزير الدولة للشئون الخارجية، «نحن نتابع بقلق متزايد، وباهتمام فائق، ما يحدث فى إيران، ونتمنى أن يتوصل الشاه والشعب الإيرانى إلى حل سلمي، وهو مشابه لموقف مصر مما حدث فى تركيا، وعدم التعليق على الانقلاب الفاشل،

تصريح رئيس وزراء تركية بلدريم «أن  مصر بلد قريب منا، ولا ينبغى أن تنعكس الخلافات بين الحكومات على الشعوب، ويجب أن يستمر التعاون الاقتصادى، حتى إذا أخذ التطبيع السياسي وقتًا أطول».

وكان ردا الخارجية  المصرية هو عدم الارتياح من التناقض التركى، هى ترفض الاعتراف بالوضع الحالى، لكن لا تمانع من النشاط الاقتصادى، وهو استمرار لحالة التناقض.

وحديث أردوغان بأنه ليس لبلاده مشكلة مع الشعب المصرى، ولكن مع قيادته، منتقدًا أحكام القضاء الخاصة بقيادات الإخوان، ومطالبًا بإطلاق سراحهم.

ورد الخارجية رفض مصر التعليق على مثل هذه التصريحات التى لايسأم الرئيس التركي من تكرارها، والتى تتعارض مع أى مساع تركية لتحسين العلاقات مع مصر.

وفى آخر حوار مع أردوغان على قناة الجزيرة، هاجم أردوغان القيادة المصرية واصفًا ما حدث  فى 30 يونيو (حزيران) بـ«الانقلاب»، و قال: إن الشعب المصرى يتشوق للديمقراطية، وردت الخارجية، أن من ضمن أكثر الأمور اختلاطًا على الرئيس التركي عدم التمييز بين ثورة شعبية مكتملة خرج فيها أكثر من ثلاثين مليون مصرى، وبين الانقلابات العسكرية بالمفهوم المتعارف عليه.

في الحقيقة أن القضية ليست دفاعًاعن الديمقراطية، ولا تقديس للحريات، الموقف شبيه بتعامل أمريكا مع إسرائيل، إذا كان العدوان عليها إدانته، وإذا كان منها لا تسمع صوتًا هى لعبة الكراسى الموسيقية، إذا كانت سياستك تتناسق معى، أؤيدك، وإذا كانت متعارضة تتنشر تصريحات الكراهية بيننا، لاشيء ثابت في السياسة، والدليل على ذلك محاولات التقارب الحالية بين الموقف المصرى والإيراني، وعن قريب بين مصر وتركيا، وبذلك يعيد التاريخ نفسه من جديد.

Comments

تعليقات

8
ads1