يوميات شيطان في جمهورية الموز

ساسة بوست : محمود خليفة 

في إحدى جمهوريات الموز، يكتب أحد الشياطين يومياته ليعرضها على أبيه، الشيطان الأعظم، وكان الشيطان في منتهى القرف لأنه مسؤول عن الإضلال في إحدى جمهوريات الموز، وجمهورية الموز عادة لا يوجد بها نظام سياسي متين يقوم بشؤون الحكم، والنظام السياسي القوي، ينعكس إيجابيًا على الدولة كلها وعلى تصرفات الناس وحياتهم أيضًا. فجمهورية الموز «بلا نظام» سوى العشوائية الضاربة بأطنابها في كل شيء؛ لدرجة أنها سببَت لهذا الشيطان القرف والكدر في وظيفته الإضلالية.

وفي هذه اليوميات، كتب:

في صلاة الفجر

دخلتُ المسجد لكي أوسوس في الصلاة كعادتي في بداية عملي اليومي، ولكني وجدت أفظع من الوسوسة؛ فقبل قيام الصلاة بقليل، تشابك اثنان من المسنين على خلفية نقاش لم أحضره، وبدلًا من أن يقوم باقي المصلين «المؤمنين» بفض النزاع، اشتركوا في التعارك، وقد عجبت كل العجب حينما علمت من تراشق الكلمات والسباب أن سبب الخلاف والخناقة التي نتجت عنه، هو قيام إمام المسجد – وكان أحد طرفي النزاع- بالدعاء في صلاة الفجر في اليوم السابق لكي يفوز فريقه بمباراة القمة!

والعجيب أن الله قد استجاب دعاءه وفاز فريق الإمام؛ وهذا ما سبب المعركة الحامية الوطيس في المسجد.

وفي الأدبيات الدينية لشعب الموز، لا يجوز أي اعتداء في أماكن العبادة ولو بالحركة أمام المصلين، ومع ذلك وجدت منْ يفجر نفسه بحزام ناسف!

فما هو دوري الآن في الوسوسة أو في أي شيء؟

في الساعة السابعة صباحًا

زهقت وقرفت من أية وظيفة أمرني بها أبي للإضلال في طوابير الخبز في الصباح؛ لأني لا أجد أي دور أقوم به، وكان من الأفضل أن أظل طليقـًا حرًا بلا عمل في هذه الفترة؛ لأني وجدت العشوائية، وعدم احترام الدور، والعراك، والصياح، وأحيانـًا القتل وإسالة الدماء كما حدث في عام 2008، هو دأب شعب «جمهورية الموز» كما يطلق عليها؛ فأي دور أقوم به بعد تلك المهازل؟!

في الثامنة صباحًا

يذهب شعب الموز إلى عمله، وكل همي أن أحرش بينهم حتى يصلوا إلى عملهم بغير سلام، ولكني لا أقوم بأي دور؛ لأن الشعب الموزي لا يحتاج إلى أي تحرش، فهم يتحرشون ببعضهم «لأهيف» الأسباب! أما في الزحام وفي المواصلات، «فثقافة الزحام» هي السائدة، والتحرش يصل إلى درجة «التحرش الجنسي» الشائع في جمهورية الموز العريقة والتي يدعي شعبها أنه «متدين»!

وأقذر تحرش رأيته في الزحام، هو تحرش مسن «في الستينات» بفتاة عمرها من أعمار أحفاده! ما هذا؟! أنا «الشيطان» لا يحدث لي أية إثارة جنسية من «شيطانة صغيرة» في عمر ابنتي، فكيف يتحرش هذا «المجنون» بفتاة هو يعتبر جدها؟!

وفي بعض جمهوريات الموز، أجد السائق يضع قدمه اليسرى على الشباك أثناء قيادته للسيارة، فهل يحتاج هذا السائق إلى غواية وهو عبارة عن قنبلة متحركة ستنفجر في أية لحظة؟

في العاشرة صباحًا

العمل الذي تقوم به شعوب جمهوريات الموز قليل، و«الزوغان» من العمل هو دأب هذه الشعوب العريقة، أما تعطيل مصالح الناس فهو غاية الموظفين، غير الرشاوي، والمحسوبيات، والفساد الرهيب؛ لدرجة أن «المسؤول عن مكافحة الفساد» يُطرد من عمله، ويحاكم بتهمة تشويه سمعة جمهورية الموز!

وفي بعض جمهوريات الموز، يتجمع الموظفون لطعام الفطور لمدة تزيد عن الساعة، ما هذا؟!

وفي المستشفيات الحكومية، أجد الأطباء يحولون المرضى إما إلى العيادات الاقتصادية «التي برسوم بكبيرة»، أو يحولونهم إلى عيادتهم الخاصة، حتى أساتذة الجامعات تركوا بحوثهم العلمية -إن كان لهم بحوث- وركزوا في عيادتهم الخاصة والعديدة والتي تجلب لهم المال الوفير على حساب المرضى؟ أنا لم أرَ «شيطانـًا طبيبًا» يجعل كل همه للثراء على حساب شياطين مرضى «غلابة»!

فبعد هذه المهازل والمساخر، ما هو دوري يا أبي؟! أليس الأفضل أن أستريح في هذه الساعة؟ الله يحرقك بالجاز في نار جهنم.

في صلاة الظهر

لا أجد ما أكتبه لأني لا أقوم بأي عمل منذ أن فُجعت أنا وزملائي الشياطين من مجازر حدثت منذ ثلاث سنوات في 2013 أثناء صلاة الظهر في فض مظاهرات، يتأفف منها أبي، الشيطان الأعظم ذاته.

أصعب شيء رأيته هو قتل طفلة رضيعة وأمها أمام عيني، ومن بعدها لم تكتحل عيناي بالنوم!

وأصعب منه، هو السعادة التي ترفرف في روح هذا الشعب الموزي المتدين والسعيد بقتل المخالفين لهم سياسيًّا أو دينيًّا.

أعوذ بالله من بني الإنسان.

أما الموظفون، فيقتلون أكبر وقت من الدوام بحجة الصلاة، ودوري في إغوائهم «بالوسوسة في الصلاة»، تافه جدًا أمام كبائرهم وجرائمهم الأخلاقية.

الساعة الثالثة بعد الظهر

شعب الموز يعود من عمله ويختنق المرور ويقل الهواء المنعش، ويعود هذا الشعب ويصاحبه «العرق اللزج» صيفـًا، و«الكآبة والقرف» شتاء؛ وهذا يجعلني أبتعد عنه حتى لا أصاب بالقرق والكآبة أكثر مما بي من هذا الشعب الموزي الكئيب.

الساعة الخامسة بعد الظهر

يفترش الشعب الموزي المقاهي المنتشرة جدًّا في كل أرجاء بلدهم، وهو لا يحتاج أية غواية منا نحن الشياطين؛ فهم عبارة عن شياطين لا يغضون البصر، ويقهقهون بأعلى الأصوات، ويسخرون من المار أمامهم، ويسخرون بعضهم من بعض، ويلعبون الميسر، ويشربون المحرم في دينهم من الدخان والحشيش والمخدرات بأصنافها المتعددة، وأحيانـًا يتشاجرون على أتفه الأسباب.

الساعة التاسعة مساءً

بعدما يتعشى هذا الشعب المتدين، فبدلًا من شكرهم لخالقهم الذي رزقهم وكساهم وأطعهم، إذا بهم يبدؤون بحملات مشاهدة أفلام «البورنو» الخليعة الماجنة! فأية غواية أقوم بها؟ نحن الشياطين نتأفف من أفعال الإنسان «الرجيم»!

والعجيب أن نساء هذا الشعب المتدين، حريصات على مشاهدة هذه الأفلام أكثر من الرجال!

أقسم بالله أن الشعب الموزي عجيب في تدينه؛ فهم حريصون كل الحرص على تعليق رموز الدين الذي يدينون به في السيارة، وفي بيوتهم، وحتى في «بلكوناتهم»، وفي المناسبات الدينية المختلفة مثل «الأعياد»، وفي الوقت ذاته، هم لا علاقة بالدين سوى الشكل الخارجي.

الساعة الثانية عشر صباحًا

في هذه الساعة، أذهب لأبي بالتقرير اليومي وهو عبارة عن رصد لأحداث اليوم والغواية التي قمت بها وهي قليلة جدًا؛ لأن شعب الموز لا يحتاج إلى غواية؛ «فثقافة الزحام» وما ينتج عنها من موبقات أخلاقية واجتماعية وسياسية لا تحتاج إلى غواية من الشياطين.

شعوب تعبد حكامها

وبالرغم من كل هذه الموبقات، فشعب الموز يعبد حاكمه دائمًا ويعتقد أنه على صواب وحنكة سياسية بعيدة المدى بالرغم من الدمار السياسي والاجتماعي والأخلاقي والثقافي والتخلف الحضاري العنيف.

وما برح شعب الموز يهتف بحياة زعيمه، بالرغم من استخفاف الأخير بالأول دائمًا، غير اغتصابه للسلطة وضحكه على «الأول» وهتافه له «أوعوا حد يضحك عليكم»، وهو يضحك ويكذب عليهم دائمًا؛ فيقول «ليس لدينا غرض في حكم البلاد»، وهو قد بيت النية على الحكم الديكتاتوري المطلق، ويقول «مش حكم عسكر وحرامية»، والحكم عبارة عن عسكر وحرامية، ويقول «هو أنا ضيعتكم من قبل»، وهو قد ضيع شعبه ومقدراته وثرواته وحتى مياهه!

الشيء الوحيد الرائع في جمهورية الموز

هو القمامة والقذارة في كل مكان حتى في لغة شعب الموز وأخلاقه، فهذا هو الشيء الوحيد الذي يعجبني في هذه الجمهورية الموزية العريقة؛ لأني وكل الشياطين، لا نحب العطور والروائح الطيبة، واللغة الراقية، والأخلاق المهذبة الفاضلة.

Comments

تعليقات

8
ads1